حيدر حب الله

99

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

الطوسي في مسائل الترجيح بين الروايات المتعارضة يجعلنا نبعد عن أذهاننا عدم أخذه بأخبار الآحاد في الاستبصار وإن كان هذا محتملا في حدّ نفسه . إلى هنا نستنتج غموضا في موقف الطوسي في الاستبصار ، فإما أنه ثمة خصوصية لا نفهمها من وراء هذه التعابير أو أن الطوسي كان في تهذيبه معارضا لحجية الخبر ، وفي استبصاره مضطربا ، ليخرج بنظريّته في العدّة بعد ذلك ، لأن التهذيب والاستبصار ألّفهما قبل العدّة حيث أتى على ذكرهما فيها « 1 » . وسوف نحافظ على القول بوجود غموض أو اضطراب في موقف الطوسي إلى أن نأتي على ذكر الحلول التي ذكرها العلماء المتأخّرون حول تناقض إجماع الطوسي والمرتضى في الموضوع ، ونبيّن بعدها تصوّرنا الخاص فانتظر . 3 - وقبل بلوغ « العدّة » تستوقفنا نصوص من تفسير التبيان يجدر مطالعتها مسبقا ، فلدى تفسيره آية النبأ ، يجعل الطوسي من تعليلها مدركا لنفي حجية الخبر علما وعملا ، مناقشا من استدلّ بها على حجية الخبر « 2 » . ولدى تعرّضه لآية الكتمان ، يبدي رأيه في عدم دلالتها على حجيّة الخبر ، قائلا : « وقد بيّنا في أصول الفقه أنه لا يمكن الاعتماد عليه » « 3 » . ونصوص « التبيان » هذه ربما يقال : إنها لا تعارض موقفه في العدّة ، لأنه رفض فيها دلالة كلّ من آية النبأ وآية الكتمان على حجية خبر الواحد - كما سنلاحظ - مع ذهابه فيها لحجية الخبر ، لكن الإشكالية التي تبقى عالقة هي أن الطوسي لم يكتف بمنع دلالة آية النبأ على حجية الخبر ، بل ذهب إلى دلالتها على عدم حجيته بقرينة التعليل الوارد فيها ، وهو تعليل لطالما كان مورد بحث وجدل بين علماء أصول الفقه بعد ذلك . فإذا كان مدرك الطوسي لإثبات حجية الخبر - كما سيأتي - هو الإجماع ، فإن الآية - وفق فهمه لها في « التبيان » وما قد تفيده العدة أيضا « 4 » - ستكون ردعا واضحا وإبطالا جليا للإجماع ، إلا إذا كان الطوسي يريد بالإجماع تخصيص مفاد النهي المستفاد من التعليل ، وهو - أي أصل المنافاة هذه في هذا المورد - ما لم يأت الطوسي على ذكره في أيّ

--> ( 1 ) - أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي ، العدّة في أصول الفقه 1 : 137 . ( 2 ) - محمد بن الحسن الطوسي ، التبيان في تفسير القرآن 9 : 343 - 344 . ( 3 ) - المصدر نفسه 2 : 46 . ( 4 ) - تجدر الإشارة إلى أن الطوسي لمّا تعرّض للتعليل في العدّة ، أتى على ذكره في سياق إبطال دلالة الآية على الحجية ، وإن كان مفاد كلامه يصلح أن يكون دليلا على عدم الحجية ، وهذا بخلاف سياق كلامه الواضح في إقامة الدليل على عدم الحجية في تفسير التبيان ، وهذا ما قد يجعل العدّة بمنأى عن التعارض البدوي المثار أعلاه ، حيث يكون لازم كلام الطوسي لا صريحه . انظر العدّة 1 : 113 .